mardi 25 juin 2013

دمشق وسط العاصفة ... السقوط المستحيل : بوابة يابوس.. (1)

دمشق وسط العاصفة ... السقوط المستحيل
بوابة يابوس.. (1)
                                                                             

بقلم زياد الهاني

الطريق إلى دمشق مفروشة بالأوهام والمصائد لكل من لم يخبر شعابها ولم يدرس بعمق تاريخها. تعاقب عليها الغزاة القادمون إليها من الجهات الأربعة بدءا بالآشوريين الذين جاؤوا شرقا من العراق في القرن الثامن قبل الميلاد لإنهاء حكم آرامي أصيل امتد عبر آلاف السنين، وصولا إلى الفرنسيين القادمين غربا تحت غطاء التحرير، بخلفية صليبية لم يستطع الجنرال غورو إخفاءها وهو يقف على قبر صالح الدين بعد انتصاره في معركة ميسلون عام 1920، واحتلال قوات بلاده لسوريا قبل أن تغادرها مكرهة بفعل ضراوة المقاومة الشعبية عام 1946.
على امتداد حوالي الثلاثة آلاف عام كانت دمشق، وتسمى بالآرامية دار ميسك وتعني الدار المسقية أو الأرض وفيرة المياه وأيضا مدينة المسك والرائحة الطيبة وتسمى كذلك بالياسمين والشام قبل أن يحرفها النطق اللاتيني إلى دوماسكوس، قد مرت من حكم البابليين إلى اليونانيين في ظل الإسكندر المقدوني قبل أن تعود إلى حكم العرب الأنباط المستقل مع الملك الحارث الثالث. ثم احتلها الرومان ومن بعدهم البيزنطيون الذين سمحوا بنوع من الحكم الذاتي للعرب الغساسنة انتهى بالفتح العربي الإسلامي على يد خالد بن الوليد. ثم كانت تولية معاوية بن أبي سفيان مدخلا لتحويلها إلى عاصمة لخلافة أموية شاسعة أسقطها العباسيون بعد أن ركزوا حكمهم في بغداد التي اتخذوها عاصمة لخلافتهم. وبعدهم جاء السلاجقة والفاطميون ثم الأيوبيون والمماليك وأخيرا وليس آخرا العثمانيون. ومع كل هؤلاء كان الدرس المتكرر والمستخلص هو أن قطعة الجنة التي قال الأديب والرحالة الجغرافي ياقوت الحموي عنها: "ما وصفت الجنة بشيء، إلاّ وفي دمشق مثله"، لم تزدهر وتنتعش تجارتها وأحوال أهلها إلاّ بتوفر عنصر الاستقرار. ولم تعد عليها التقلبات السياسية والاضطرابات والتدخلات الخارجية  بغير الخراب والدمار الذي كان سكانها أكبر المتضررين منه.
كانت هذه المقدمة ضرورية للتأكيد على أن التعاطي مع الشعوب المتأصلة في الحضارة يكون سطحيا إذا انبنى على معالجات ميكانيكية ولم يأخذ بعين الاعتبار التراكم التاريخي لما استبطنته هذه الشعوب في لاوعيها، وهو ما يتدخل ضرورة في تحديد الوعي والموقف الناتج عنه عند لحظة الاشتباك مع متغيرات الواقع وأحداثه. والوعي التاريخي لا ينفصل عن إدراك التحديات الراهنة ودور دمشق في معادلة الصراع ضد إسرائيل، وهي التي كانت لاعبا أساسيا في معركة التحرر من الاحتلال الغربي المتمركز في مملكة بيت المقدس الصليبية التي أطاح بها صلاح الدين الأيوبي بعد انتصاره على الصليبيين والبيزنطيين في دمياط. لذلك ليس غريبا أن نجد اليوم من يتحالف مع الغرب وإسرائيل لإسقاط دمشق وهو يرفع الشعارات الإسلامية والطائفية البغيضة، فقد سار الإسماعيليون المستقرون في ريف حمص ودمشق على هذا النهج من خلال تحالفهم مع صليبيي مملكة بيت المقدس التي كانت تحتل جزءا من الجولان السوري، لكن عاقبتهم كانت وخيمة على يد عماد الدين زنكي الذي قضى على خيانتهم عام 1129. والتاريخ اعتبار... لكن لا بد من الإشارة في هذا السياق إلى أن التأسيسات التاريخية على اقتضابها والمبادئ العامة التي ذكرتها هنا، لا تحجب نسبية ما سأعرضه من آراء واستنتاجات في مقالي. اعتبارا لأن ما شاهدته وعاينته هو جزء من الحقيقة وليست الحقيقة كلها، ومن قابلتهم وتحدثت معهم هم جزء من الطيف السوري، لذلك وجب التوضيح والتنسيب.
·       يابوس
انطلقت رحلتي إلى دمشق يوم الأحد الثاني من شهر جوان في إطار وفد إعلامي رافق وفدا من المجتمع المدني شكله الإعلامي الزميل زهير لطيف لاصطحاب عائلات معتقلين تونسيين في سوريا تمكن خلال زيارة إعلامية سابقة له إلى دمشق من ترتيب لقاء لهم بأبنائهم.
وجدنا في مطار تونس قرطاج الذي فقد صفة "الدولي" كل التسهيلات لتيسير مرورنا ومنها تخصيص الوفد بممر خاص عند شرطة الحدود، بعد أن وجدنا كذلك كل التسهيل من قبل مصالح الخطوط الجوية التونسية. وكانت مؤشرات ذات دلالة بالنسبة لنا على التقبل الإيجابي من حكومتنا للمبادرة التي مضينا من أجلها. حيث لم يكن من السهل توقع ذلك التعاطي المتفتح مع قطع العلاقات الدبلوماسية بين تونس وسوريا ومزايدات بعض من يكررون جهلا بأن النظام السوري الحالي انتهي وبأنهم في انتظار تركيز الحكومة الثورية الجديدة حتى يعيدوا ربط العلاقات معها !؟ وتكرس نفس المعطى في بيروت حين وجدنا في انتظارنا ممثلين عن سفارتنا في لبنان قاما بالتنسيق مع السلط اللبنانية لتيسير إجراءات دخولنا. ومن مطار بيروت الدولي كان انطلاقنا مباشرة بواسطة حافلة إلى الحدود السورية الواقعة على حوالي 150 كيلومترا شرقا عبرنا خلالها جبل لبنان متجهين من البحر إلى السهل وسط مناظر طبيعية وعمرانية خلابة غبطنا من أجلها أهل البلد. وكان وصولنا إلى معبر المصنع اللبناني الحدودي الذي اجتزناه دون تعطيل إداري يذكر، مؤشرا إلى أن ساعة الجد حلّت وبأنه علينا أن نسترهف حواسنا ونستنفرها منذ تلك اللحظة وفاء منا للمهمة التي قدمنا من أجلها وللأمانة التي آلينا على أنفسنا حملها بحثا عن الحقيقة واستجلاء لها من وسط الضباب.
في الجانب السوري تغير المشهد وأصبحنا نسلك طريقا سيارة ذات اتجاهين واسعين مع ممر مخصص للاستعمالات العسكرية. وبعد مسيرة كيلومترات معدودة وجدنا أنفسنا في معبر يابوس أو يبوس السوري، وسط منطقة تاريخية ورد اسمها في الإنجيل والتوراة. واليبوسيون قبيلة كنعانية هاجرت من شبه الجزيرة العربية إلى الشام خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد. وهم الذين بنوا بقيادة ملكهم " صادق" مدينة القدس التي أسموها "شاليم" على اسم إلاه السلام عند الكنعانيين. ثم حرفت هذه التسمية في وقت لاحق لتصبح "أورشالم" أو "أورشليم" وتعني "مدينة السلام". واستقر اليبوسيون في المنطقة لمدة طويلة حتى وصول بني إسرائيل في القرن الثاني عشر قبل الميلاد واستيلائهم على المدينة وطردهم منها. بعدها تشتت اليبوسيون في بلاد الشام ولم يرد لهم أي ذكر في التاريخ منذ ذلك الحين باستثناء ما جاء في الإصحاح الأول من التوراة في سفر القضاة، من أن اليهود لم يطردوا اليبوسيين من مدينة القدس بل أبقوا عليهم فيها؟
كانت البوابة واسعة ومتعددة المباني. وقد تم استقبالنا في مبنى كبار الزوار من قبل وفد المجتمع المدني السوري برئاسة خالد محجوب حيث حظينا باستراحة مستحقة بعد طول سفر، نلنا فيها نصيبا من مختلف المشروبات كانت القهوة العربية أكثرها تميزا. وعلمنا فيما بعد أن راعي ضيافتنا خالد محجوب رئيس دار محجوب الخيرية، رجل أعمال سوري حامل للجنسية الأمريكية وتتركز أعماله في دبي. وهو من أنصار الحزب القومي الاجتماعي السوري ولا يخفي انتقاداته اللاذعة لحزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم في سوريا، حزب الرئيس بشار الأسد. لكن الرجل طوى حقائبه عائدا إلى بلاده للدفاع عن نظامها حتى لا يسقط. وفي ذلك يقول: "نحن نختلف مع النظام لكن لن نسمح بسقوطه، حتى لا يحل ببلدنا الخراب. الديمقراطية ابنة تربتها، ولا يمكن لها أن تنجح عبر إسقاط آخر نظام علماني في المنطقة لأن نجاح الديمقراطية مرتبط بتوسيع الطبقة الوسطى ونشر التعليم والقيم الحداثية، وإبعاد الدين والسياسة عن الاقتصاد"...
·       مرقد هابيل
وغير بعيد عن البوابة الحدودية يوجد على قمة رابية يسارا مرقد هابيل إبن أدم عليهما السلام الذي قتله أخوه قابيل غيرة وحسدا، وكان قابيل عاملاً بالأرض أما هابيل فكان راعيا للغنم. وقد قررا تقديم قربان للرب تعبدا وتزلفا. أما قابيل فقدم من ثمار الأرض قربانه، في حين قدم هابيل قربانه أضحية من غنمه. لكن الرب نظر إلى هابيل وقربانه ولم ينظر إلى قربان قابيل الذي اغتاظ جداً، وردّ الفعل بالتوجه إلى أخيه هابيل في الحقل وقتله. وفي ذلك نزلت الآية الكريمة في سورة المائدة: بسم الله الرحمن الرحيم Ra bracket.png وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ Aya-27.png لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ Aya-28.png إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ Aya-29.png فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ Aya-30.png فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ Aya-31.png La bracket.png صدق الله العظيم. وفي الجهة المقابلة على يميننا وفي مكان منزو أسفل صفحتي تلتين متقابلتين كان تربض دبابة للجيش العربي السوري مولية مدفعها عكس اتجاه المقام وكأنها تقول "للبيت ربّ يحميه". وهي أول آلية عسكرية ثقيلة نلحظها منذ دخولنا للتراب السوري.
مضت الحافلة تطوي بنا الأرض طيّا ولم تتوقف سوى لحظات معدودة في حواجز المراقبة العديدة التي اعترضتنا. فعند مدخل كل حاجز كانت سيارات المرافقة التي تصطحبنا تمر بنا عبر الممرات العسكرية الخاصة فاتحة لنا الطريق. فيما كانت مئات السيارات الأخرى متعطلة إلى جانبنا وهي تخضع إلى التفتيش الدقيق. وكانت الحركة عادية على جانبي الطريق لولا مفارز التفتيش التي لم تكن تترك شاردة تمر ولا واردة دون أن تتثبت منها. بعض راكبي السيارات كانوا ينظرون إلينا في أعلى كراسينا بالحافلة بمزيج من الفضول والاستهجان. أحد السواق قال لي في مناسبة لاحقة: "لا يضيرني أن أنتظر خمس ساعات عند أي حاجز. لكن يجن جنوني كلما شاهدت أحدا يلقى معاملة تمييزية تجعله أفضل مني"...  
·       انفجار داريّا
بدءنا نقترب من دمشق وبدأت الصورة تتوضح. رداء من نسيج البناء الممتد على مدى الأفق أمامنا والمتقدم باتجاهنا بدأ في احتلال الفضاء ونحن نسير من الغرب في اتجاه الشرق في خط مستقيم اتجاها ومتعرج توجها. لمحنا جبل قاسيون من بعيد على يسارنا، أما على اليمين القريب فكان الدخان متصاعدا من أحياء لم تكن تبعد عن وسط الطريق أكثر من ثلاثة كيلومترات، وفكرنا أن يعود الدخان لقصف أو عمل تفجيري. تلك هي داريّا الواقعة غير بعيد عن معظمية دمشق حيث كانت المعارك مستعرة بين قوات الحكومة والمعارضة. ولم يخب حدسنا حيث علمنا حال وصولنا إلى فندق الشيراتون على طريق المزة في مدخل دمشق حيث تنتصب ساحة الأمويين بنافورة مياهها الجميلة بكل بهاء، بأن داريّا تعرضت إلى القصف قبل قليل، والحصيلة سبعة قتلى وعشرات الجرحى. (يتبع)...



*الصورة:
 1- معبر المصنع اللبناني: حركة عادية في الاتجاهين
2- معبر يابوس السوري: هنا توقفت مملكتا داوود وبيت المقدس على التمدد